حسن الأمين

105

مستدركات أعيان الشيعة

وأصبحت دمشق منذ 6 ذي القعدة 360 ه‍ / أغسطس 970 م ، منطقة نفوذ للحسن بن أحمد القرمطي الذي باشر جباية المال من سكان المزة ، ومنح الأمان لهم ولسكان دمشق ، كما أعلن الدعوة للمطيع العباسي ، وتظاهر بأنه أمير مفوض من طرفه وأعاد شعار السواد ، والخطبة في كل المدن التي استرجعها من ولاة الفاطميين ، وأهمها الرملة التي فارقها سعادة بن حيان وتحصن في يافا ولما انصرف عنها الحسن بن أحمد ترك لحصارها ظالما بن موهوب العقيلي وأبا الهيجاء بن المنجا القرمطي ، ويظهر أن الأمر لم يطل بسعادة بن حيان ، حيث تركها إلى مصر ، ( 1 ) التي أصبحت هدفا مباشرا للقرامطة بعد سقوط بلاد الشام . ( انتهى ) . وإذا كان المقصود في هذا المقال هو الحديث عن جعفر بن فلاح ، فإننا نرى تماما للفائدة مواصلة الكلام عما آل عليه أمر القرامطة في صراعهم مع الفاطميين بعد مقتل جعفر بن فلاح : وقد استخلص جوهر الصقلي ، العبرة من قتل جعفر بن فلاح على يد القرامطة وتحاشي سعادة بن حيان الاصطدام بهم ، بسبب تفوقهم العددي وبذل جهودا جبارة من أجل تقوية مركزه في القاهرة ، فاحتفر خندقا في الجهة الشامية ليمنع نفاذ القرامطة إلى المدينة ، ونصب عليه بابين من حديد ، وبنى القنطرة على الخليج وفرق السلاح على المغاربة والمتطوعين المصريين ، وتحفظ على ابن الفرات ووكل به من يلازمه حتى في داره ، ويصاحبه حيثما سار . ثم أجبره على البقاء في القاهرة . كما راقب بقايا الكافورية والإخشيدية في مصر ، وكان هدفه من هذه الاجراءات ، ومن التحصين بمدينة القاهرة « أن تصير - هذه - حصنا فيما بين القرامطة ومدينة مصر ليقاتلهم من دونها » . وكانت هذه الاجراءات ضرورية ، لأن ضغط القرامطة على حدود مصر هيا لعناصر المعارضة في الداخل فرصة التحرك ، وفي الوقت الذي ثار سكان تنيس ضد واليهم واستغلوا فرصة سيطرة القرامطة على القلزم ( ذي الحجة 360 ه‍ ) ، وعلى الفرما ( محرم 361 ه‍ ) فخلعوا طاعة جوهر وأظهروا الدعوة للمطيع العباسي ، وشعار السواد ، وزعت مناشير وجد شيء منها في الجامع العتيق ، وتضمنت التشهير بجوهر وتحذير السكان منه ، وظهرت ثورة عباسية في الصعيد . وتحرك سواد الرعية لترديد بعض الشعارات المعادية ، كما مال الجند المصريون إلى العصيان . وقد واجه جوهر هذه التحركات المعادية بحزم وبحكمة فادب ثوار تنيس ، والصعيد ، ووبخ السكان على ترويجهم للدعايات السيئة ، وأثارتهم للعنف استغلالا للظروف الدقيقة ، وقد اعتذر السكان ، ورجع الهدوء إلى مدينة الفسطاط واستقر الوضع الداخلي حتى مستهل ربيع الأول 361 هحيث بدأت المعركة الحاسمة مع القرامطة حول الخندق ، وبعد قتال عنيف استمر عدة أيام انتهت المعركة لصالح جوهر ، وانهزم الحسن الأعصم وأحلافه من بني عقيل وطي ، وبقايا الكافورية ، وانسحب ليلا عن طريق القلزم إلى بلاد الشام ، ومنها إلى الإحساء ، بعد أن ترك أبا الهيجاء عبد الله بن المنجا في دمشق يساعده ظالم بن موهوب العقيلي ، ومهمتهما المحافظة على ولاء بلاد الشام وجباية خراجها ، وكان الحسن يقرب أبا الهيجاء ، ويعتمده ، وذلك ما أغضب ظالما وجعله ينسحب من الحلف ويبقى في بعلبك بعيدا عن نفوذ القرامطة والفاطميين إلى حين . وإذا كانت جهود جوهر قد كللت بالنجاح فان رغبته في قتل الحسن الأعصم أو أسره حيا ، لم تتحقق رغم أنه رصد لمن ينجح في ذلك ، ثلاثمائة ألف درهم وخمسين خلعة وخمسين سرجا بحلى على دوابها . ومعنى ذلك أن المشكلة لم تجد حلها النهائي بعد ، ذلك أن الحسن الأعصم الذي انسحب مؤقتا ، لمزيد من الأعداد ، دبر خطة جديدة أساسها الضغط على مصر بحرا ، وبرا ، وشعورا جوهر بحدة المشكلة دفعه إلى مكاتبة المعز لدين الله يستحثه على القدوم إلى مصر ، فاستجاب وأسرع « وهو يظن أنها ستخرج من يده قبل وصوله إليها » . كما أمد جوهرا بنجدات برية هامة . وبفضل إخلاص جند كتامة وشجاعتهم وبأس ابن عمار تحطمت مشاريع القرامطة ، ففشل الغزو البحري لمصر عن طريق تنيس وغيرها من سواحل مصر ، وأنزلت بهم هزيمة في ( الحوف ) . وأسر كثير من رجالهم واحتجزت سفنهم وأعلامهم وعدتهم . ويبدو أن المعز لدين الله لم يكن يتصور مدى خطورة الحركة وهو في بلاد المغرب ، لأن تفاصيلها لم تبلغه كما وقعت فعلا ، فلما استقر في القاهرة وعرف تأثير الحركة وأبعادها ، حاول أن يعالج مشكلة العلاقة مع القرامطة ، بالطرق السلمية ، فأرسل بيانا سياسيا مطولا إلى الحسن بن أحمد ، ينكر عليه الاتجاه التخريبي ، الذي تبناه على غير سبب معقول أو أساس مقبول ، إلا سفك دماء الأبرياء تعطشا إلى السلطة . ( 2 ) ولما كان رد الحسن الأعصم على بادرة المعز لدين الله جافا ومعبرا عن الاستمرار في السياسة العدائية ومتضمنا للسخرية منه ، لأطنابه في الحديث دون فائدة ونصه « وصل إلينا كتابك الذي كثر تفصيله وقل تحصيله ، ونحن سائرون إليك على أثره والسلام ، لم يبق غير المواجهة الحقيقة في ميدان الحرب . وقد جرت المعركة هذه المرة منذ شهر رجب 363 ه‍ / آذار 974 - في ظروف تختلف عن ظروف الحرب الأولى ، فالجبهة الداخلية في مصر أصبحت أكثر تماسكا بسبب إشراف المعز لدين الله بنفسه على المعركة وقد أراد الحسن الأعصم أن تكون الثورة شاملة للصعيد وللدلتا ، واعتمد خاصة على تفجير الوضع الداخلي ، والنيل من الجبهة ، باستمالة عناصر المعارضة ، وقد نجح في جذب فريق من الأشراف يتزعمهم عبد الله بن عبيد الله أخو مسلم ، الذي أعلن ثورة في الصعيد ، وجبي الأموال ونكل بجند كتامة ، واستقر في أخميم ، ولم يبرحها إلى الشام ، ثم إلى الإحساء ، حيث لقي مصيره قرب البصرة ، ( 3 ) إلا بعد أن سمع خبر هزيمة القرامطة أمام خندق القاهرة ، ثم انسحاب الحسن بن أحمد ، على حالة سيئة ، إلى الإحساء عبر بلاد الشام ، بعد أن تفرق عنه رجاله وتامر عليه بنو طيئ وزعيمهم حسان بن مفرج لقاء أموال كثيرة وعدوا بها من طرف المعز لدين الله الذي

--> ( 1 ) ولم يفارق سعادة بن حيان مصر حتى توفي لعشر بقين من محرم 362 ه‍ ، أي قبل وصول المعز لدين الله ، ولذلك لم يقدر له أن يشترك إلى جانب جوهر والمغاربة في الدفاع عن القاهرة ضد القرامطة أثناء حملتهم الثانية . ( 2 ) ابن أيبك الدواداري : الدرة المضية 6 ، 149 - 156 ، بيبرس الدوادار : زبدة الفكرة 6 ورقة 114 - 115 ، وقد تضمن قول المعز يخاطب الحسن « فاما أتت أيها الغادر البائن الخارج عن الجماعة والسنة » . ( 3 ) نفسه 1 ، 202 - 205 في مكان سمي النصيرية . وقد سمه القرامطة لاختلافهم معه في الرأي حول التعبئة للحرب ضد الفاطميين .